يتجدد مشهد تجمّع مياه الأمطار في شوارع نواكشوط مع كل موسم خريفي، ليضع في مواجهة مباشرة خطابين متعارضين: خطاب مواطن يقيس نجاح الدولة بمعيار آني وملموس، وخطاب رسمي يستعرض حصيلة مشاريع هيكلية لا تزال قيد الإنجاز. وبين الخطابين تكمن المفارقة الجوهرية التي تحكم النقاش العمومي حول هذا الملف.
يتضمن "برنامج تنمية مدينة نواكشوط" مكوّناً مخصصاً لتوفير مياه الشرب وتحسين الصرف الصحي رُصد له نحو 650 مليون أوقية جديدة، إضافة إلى مشروع أوسع يشمل القطب "أ" للصرف الصحي بكلفة تقارب 177.6 مليون دولار، ممولة بالكامل من ميزانية الدولة، ويتضمن عشرات الكيلومترات من شبكات الصرف و29 محطة ضخ ومحطة معالجة بطاقة 19 ألف متر مكعب يومياً، إلى جانب نحو 15.7 كيلومتر من قنوات تصريف مياه الأمطار وخمس محطات ضخ مخصصة لها. وقد تابع رئيس الجمهورية شخصياً حصيلة المرحلة الأولى من البرنامج في اجتماع مايو 2026، تمهيداً لإطلاق نسخته الثانية.
في المقابل، لا يرى جزء واسع من الرأي العام في هذه الأرقام ما يبرر استمرار غرق الأحياء عند كل هطول. فبعض الكتّاب يذهبون إلى نفي أي صلة بين البرنامج وحل مشكلة الصرف الصحي أصلاً، معتبرين تكرار مشهد تجمع المياه دليلاً قاطعاً على فشل البرامج الحكومية مجتمعة.
هذا التباين ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل انعكاس لفجوة بنيوية بين زمنين مختلفين: زمن المشروع الهيكلي الذي يُقاس بالسنوات والمراحل، وزمن المواطن الذي يُقاس بموسم مطري واحد. فمدافعون عن البرنامج يذكّرون بأن المشكلة تعود إلى عقود، وأن الحلول الهيكلية لا تُترجم إلى أثر فوري، مع تسليمهم بحق المواطن في انتقاد بطء التدخل وتفاوت جودته من حي إلى آخر.
ويغذّي هذه المفارقة غياب تواصل حكومي منتظم بمؤشرات دقيقة عن نسبة الإنجاز الفعلي ميدانياً، مما يترك المجال مفتوحاً لتأويلات متضاربة، ويحوّل ملفاً تقنياً بطبيعته إلى ساحة للمزايدة السياسية.
وفي خلاصة: لن تُحسم هذه المفارقة بمزيد من الأرقام أو الاجتماعات الوزارية، بل برهان الحكومة على ربط الاستثمار الهيكلي بنتائج مرحلية واضحة ومُعلنة، تعيد بناء الثقة بين حصيلة المشاريع وانطباع المواطن اليومي عن مدينته.